ما قبل سبتمبر: الطريق الطويل إلى البرجين
لا شيء يحدث من فراغ. قبل أن تصطدم الطائرة الأولى بالبرج الشمالي في صباح الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١، كانت هناك عقود من السياسة والحروب والأفكار تتراكم فوق بعضها حتى انفجرت. من يريد أن يفهم ذلك اليوم — لا أن يبكيه فقط — عليه أن يعود إلى الوراء، إلى حيث بدأت الخيوط.
أفغانستان: الجهاد الذي موّلته أمريكا ثم نسيته
في عام ١٩٧٩ غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، فتدفق آلاف المتطوعين العرب للقتال إلى جانب الأفغان — وكان من بينهم شاب سعودي ثري اسمه أسامة بن لادن. المفارقة التي لا تُنسى: الولايات المتحدة، عبر وكالة استخباراتها وبالتعاون مع باكستان والسعودية، موّلت ودرّبت وسلّحت هؤلاء المقاتلين لاستنزاف السوفيت. كانت حرباً بالوكالة، والمجاهدون يومها أبطال في الإعلام الأمريكي. وحين انسحب السوفيت عام ١٩٨٩ مهزومين، أدارت أمريكا ظهرها لأفغانستان المدمرة وتركتها للفوضى والحرب الأهلية — ومن رحم تلك الفوضى خرجت حركة طالبان، وخرج بن لادن أكثر تطرفاً وقتامة.
حرب الخليج والقواعد والحصار: المظالم تتراكم
في عام ١٩٩٠ غزا صدام حسين الكويت، فجاء الرد الأمريكي بتحالف دولي حرر الكويت — لكنه أبقى قوات أمريكية على أرض الجزيرة العربية، قرب الحرمين الشريفين. بالنسبة لبن لادن وأتباعه، كان هذا تدنيساً لا يُغتفر، وأعلنوا الحرب على الوجود الأمريكي في المنطقة. ثم جاء الحصار الدولي على العراق طوال التسعينيات: تقارير الأمم المتحدة نفسها تحدثت عن مئات آلاف الأطفال العراقيين الذين ماتوا بسبب نقص الدواء والغذاء. وزيرة الخارجية الأمريكية يومها، مادلين أولبرايت، سُئلت على الهواء إن كان الثمن — نصف مليون طفل — يستحق، فأجابت: «نعم، نعتقد أن الثمن يستحق». تلك الجملة وحدها جمّعت في العالم الإسلامي غضباً لا يوصف، وصارت وقوداً لخطاب التطرف لسنوات.
تصعيد التسعينيات: تحذيرات لم تُسمع
لم يكن سبتمبر ٢٠٠١ أول إنذار. في ١٩٩٣ فجّر إرهابيون شاحنة في مرآب البرجين نفسهما. في ١٩٩٨ فُجّرت سفارتا أمريكا في كينيا وتنزانيا: مئتان وأربعة وعشرون قتيلاً. في ٢٠٠٠ ضُربت المدمرة كول في ميناء عدن: سبعة عشر بحاراً أمريكياً. وفي كل مرة كان الرد الأمريكي محدوداً — صواريخ على معسكرات في أفغانستان والسودان — بينما كان بن لادن يعلن في ١٩٩٦ و١٩٩٨ «فتاواه» التي تدعو لقتل الأمريكيين أينما وُجدوا. الأجهزة الأمريكية كانت تعرف الخطر بالاسم، لكن البيروقراطية والاستهانة تركت الأبواب مواربة.
الزاويتان — وأين أقف
زاوية الارتداد: السياسة صنعت الوحش
أصحاب هذه الزاوية يقولون: أمريكا زرعت بذور ١١ سبتمبر بيديها — حين موّلت الجهاديين ثم تخلت عنهم، وحين أبقت القواعد، وحين فرضت حصاراً قتل الأطفال. الغضب كان سياسياً قبل أن يكون دينياً، والدين كان مجرد لغة التعبئة.
زاوية الأيديولوجيا: الفكر كان سيقتل على أي حال
وأصحاب هذه الزاوية يردون: فكر سيد قطب وأيمن الظواهري يكفّر المجتمعات كلها ويوجب قتالها — أمريكا كانت مجرد الهدف الأكبر، ولو لم توجد القواعد لوجدوا ذريعة أخرى. الدليل: ضحاياهم من المسلمين أنفسهم بالآلاف.
رأيي الصريح
الحقيقة مركبة، ومن يختزلها في زاوية واحدة يكذب على نفسه. الأيديولوجيا التكفيرية شر حقيقي مستقل — لكن السياسات الأمريكية في المنطقة أعطتها الجيوش من الغاضبين والذخيرة من المظالم. أمريكا لم تصنع بن لادن وحده، لكنها هيأت له المسرح والجمهور. ومن يرفض رؤية الجزأين معاً لن يفهم شيئاً مما جاء بعد.
ذلك الصباح ساعةً بساعة: ماذا حدث فعلاً
كنت في السابعة من عمري. لا أذكر تفاصيل السياسة ولا أسماء المنظمات — أذكر الكبار متسمرين أمام التلفاز، وأذكر الإعادة والإعادة والإعادة: كرة نار تخرج من برج، ثم طائرة تصطدم بالثاني على الهواء مباشرة. فهمت لاحقاً ما رأيته ذلك اليوم. وهذا ما حدث، بالدقائق.
الرحلات الأربع
صباح الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠٠١، أقلعت أربع طائرات مدنية من مطارات الساحل الشرقي، مختطفة من قبل تسعة عشر رجلاً مسلحين بسكاكين وقواطع صناديق — تجاوزوا إجراءات أمن المطارات التي كانت يومها متراخية بشكل لا يصدق. كانوا مدربين: بعضهم تعلم الطيران في مدارس طيران أمريكية نفسها.
الرحلة ١١ تصطدم بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك. ظن كثيرون في البداية أنه حادث — حتى جاءت الصورة الثانية.
الرحلة ١٧٥ تصطدم بالبرج الجنوبي على الهواء مباشرة أمام ملايين المشاهدين. لم يعد هناك شك: أمريكا تتعرض لهجوم.
الرحلة ٧٧ تصطدم بمبنى وزارة الدفاع — البنتاغون — في أرلينغتون. رمز القوة العسكرية الأمريكية يُضرب في عقر داره.
البرج الجنوبي ينهار أولاً — بعد ٥٦ دقيقة فقط من اصطدامه. سحابة الغبار تبتلع مانهاتن السفلى.
الرحلة ٩٣ تسقط في حقل في بنسلفانيا — بعد أن قاوم الركاب الخاطفين. كانت متجهة على الأرجح نحو واشنطن. أولئك الركاب أنقذوا أرواحاً لا تُحصى بثمن حياتهم.
البرج الشمالي ينهار. في ١٠٢ دقيقة، اختفى رمزا الاقتصاد العالمي، ومات ما يقارب ثلاثة آلاف إنسان.
لماذا انهار البرجان؟
سؤال شغل العالم لسنوات، والإجابة العلمية الموثقة: حرارة وقود الطائرات أضعفت الهياكل الفولاذية، والأوزان العلوية سحقت ما تحتها طابقاً فوق طابق. تحقيقات المعهد الوطني للمعايير استمرت سنوات وخلصت إلى ذلك — أما نظريات التفجير الداخلي فلا تملك دليلاً واحداً يقف أمام الفيزياء وشهادات الناجين. أقول هذا بوضوح لأن احترام الضحايا يبدأ باحترام الحقيقة.
بالأرقام: ٢٩٧٧ ضحية من أكثر من ٩٠ دولة — بينهم عشرات المسلمين الذين ذهبوا إلى عملهم ذلك الصباح ولم يعودوا. ٤١١ من رجال الإطفاء والشرطة والمسعفين. الخسائر الاقتصادية المباشرة تجاوزت عشرات المليارات.
الضحايا والأبطال: أسماء لا أرقام
قبل أي تحليل وأي رأي، نقف دقيقة صمت حقيقية. ثلاثة آلاف إنسان خرجوا إلى عملهم ورحلاتهم صباح الثلاثاء ولم يعودوا. موظفون، وأمهات، وآباء، وأطفال، ورجال إطفاء صعدوا الدرج بينما كان الجميع ينزل.
من مات؟ الجميع
من أكبر الأكاذيب التي تلت ذلك اليوم أن ضحاياه كانوا من جنس أو دين واحد. الحقيقة: ضحايا من أكثر من تسعين دولة، مسيحيون ويهود ومسلمون وهندوس ولا دينيون. موظف مطعم مسلم، وسائق سيارة إسعاف مسلم، ومهندس باكستاني، وسكرتيرة مصرية — كلهم ماتوا مع جيرانهم الأمريكيين في النار نفسها. الإرهاب لم يسأل أحداً عن دينه قبل أن يقتله، وهذه حقيقة يجب أن تُقال كلما حاول أحد احتكار الحزن أو توزيع التهم جماعياً.
الذين صعدوا
ثلاثمائة وأحد عشر رجل إطفاء دخلوا البرجين المشتعلين لإنقاذ الغرباء — ومات معظمهم. ضباط شرطة، ومسعفون، وموظفو أمن، ومدنيون حملوا زملاءهم على ظهورهم عشرات الطوابق. وركاب الرحلة ٩٣ الذين فهموا من مكالمات الهاتف ما يحدث، فصوّتوا على المقاومة وهاجموا قمرة القيادة. هؤلاء هم الوجه الحقيقي لذلك اليوم — لا الخاطفون التسعة عشر، بل المئات الذين اختاروا أن يموتوا وهم ينقذون.
من فعلها ولماذا: نسمع الطرفين ثم نحكم
تسعة عشر خاطفاً، خمسة عشر منهم سعوديون، بقيادة محمد عطا المصري — وخلفهم تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، المحميَّين من حركة طالبان في أفغانستان. هذه حقائق التحقيقات والاعترافات نفسها — بن لادن تباهى بالعملية لاحقاً بالصوت والصورة. السؤال الصعب ليس «من» بل «لماذا» — وهنا ينقسم العالم.
ماذا قالوا هم عن دوافعهم؟
في بيانات القاعدة المعلنة: الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة العربية، والحصار على العراق، والدعم الأمريكي لإسرائيل — ثلاثة مظالم سياسية يسمونها أسباب الحرب. لاحظ: لم يقولوا «نكره حريتكم» — تلك عبارة السياسيين الأمريكيين، لا عبارتهم. قالوا بوضوح إنها حرب سياسية بلغة دينية. وهذا مهم: فهم العدو ليس تبريره، بل أول خطوة لهزيمته.
الزاويتان
المظالم حقيقية ومحركة
القواعد والحصار والدعم غير المشروط لسياسات مرفوضة شعبياً — كلها مظالم يقر بها حتى نقاد أمريكيون محترمون. تجاهلها يعني محاربة الأعراض وترك المرض. من يريد ألا يتكرر ١١ سبتمبر عليه أن يجفف المستنقع لا أن يصطاد البعوض فقط.
الأيديولوجيا التكفيرية هي المحرك الأول
فكر يكفّر الحكام والمجتمعات والمسلمين المخالفين قبل غير المسلمين — هذا الفكر قتل في الجزائر والعراق وسوريا من المسلمين أضعاف ما قتل من الأمريكيين. المظالم ذرائع يستبدلها حين تنتهي؛ المشروع عنده إقامة خلافته بالدم مهما كان الثمن.
رأيي الصريح
الرأيان معاً صحيحان، والذكاء أن تمسك بهما معاً. نعم، كانت هناك مظالم سياسية حقيقية — ونعم، كان هناك فكر تكفيري إجرامي مستعد لقتل المدنيين بالآلاف. إنكاري لأي منهما يجعلني أعمى. وأضيف كمسلم: أكبر ضحايا هذا الفكر هم المسلمون أنفسهم، والسكوت عنه بحجة «عدم تشويه صورة الإسلام» هو ما شوهها فعلاً. إدانة الإرهابيين بالاسم والفكر واجب ديني قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
أفغانستان: الحرب التي بدأت عادلة وانتهت فضيحة
بعد الهجوم بأيام، طالبت أمريكا طالبان بتسليم بن لادن — فرفضت. في السابع من أكتوبر ٢٠٠١ بدأ القصف، وسقطت كابول خلال أسابيع. التأييد العالمي كان شبه إجماع، والقرار الأممي واضح، والهدف محدد: القاعدة وملاذاتها. هذه كانت — نعم — حرباً عادلة في بدايتها. ثم حدث ما يحدث دائماً حين تُترك الحروب بلا نهاية ولا خطة.
ما الذي سار خطأ؟ كل شيء تقريباً
بدل حرب مركزة قصيرة على الإرهابيين، تحولت إلى مشروع احتلال وبناء دولة بالريموت كنترول: حكومات فاسدة في كابول تسرق المساعدات، وأمراء حرب يُعاد تدويرهم، وجنود أمريكيون يموتون في وديان لا يعرفون أسماءها. وفي ٢٠١١ قُتل بن لادن في باكستان — المهمة الأصلية انتهت — ومع ذلك بقيت الحرب عشر سنوات أخرى بلا هدف مفهوم. ثم جاء انسحاب أغسطس ٢٠٢١: مشاهد المطار في كابول، والناس تتشبث بالطائرات، وطالبان تعود إلى القصر نفسه — عشرون عاماً، وتريليونا دولار، وأكثر من ألفي جندي أمريكي وعشرات آلاف الأفغان، والنتيجة: طالبان تحكم من جديد.
دفاع الحرب: كان لا بد منها
دولة تؤوي من قتل ثلاثة آلاف مدني لا يمكن مفاوضتها — الرد كان حقاً مشروعاً، وأفغانستان تحررت لعقدين من حكم طالبان الأول، وملايين البنات دخلن المدارس. الفشل في النهاية لا يلغي عدالة البداية.
إدانة الحرب: الغرور دمّر كل شيء
تحويل مهمة عقابية محددة إلى احتلال مفتوح بلا استراتيجية خروج — ثم الفرار المشين — هو تعريف الغباء الاستراتيجي. أمريكا أنفقت ثروة ودماء لتسليم البلد لمن حاربتهم، والرسالة للعالم: القوة العظمى لا تُنهي ما تبدأ.
رأيي الصريح
أؤيد ضربات ٢٠٠١ وأدين احتلال العقدين. الفرق بينهما هو الفرق بين العدالة والغرور. الدرس الذي يجب أن يُدرّس: ابدأ حرباً فقط إذا عرفت كيف تنهيها — ومن لا يعرف النهاية لا يستحق البداية.
العراق: الكارثة المختارة — أبشع فصول الرد
وهنا أكون الأكثر صراحة في هذا المقال كله: غزو العراق عام ٢٠٠٣ كان خطأً تاريخياً وجريمة سياسية — بُني على معلومات كاذبة، وكلّف مئات آلاف الأرواح، وأشعل المنطقة لعقود. وسأعرض حجة المؤيدين كاملة أولاً، لأن الرأي القوي هو الذي يهزم الخصم في أفضل صوره لا في أضعفها.
حجة الغزو بأقوى صورها
قال المؤيدون: صدام حسين دكتاتور مجرم استخدم الكيماوي ضد شعبه وضد إيران، وطرد المفتشين وتلاعب بهم، والاستخبارات — الأمريكية والبريطانية وحتى الفرنسية — أجمعت على وجود برامج أسلحة. وبعد ١١ سبتمبر، لا يمكن انتظار الدليل على شكل مدينة مدمرة: الخطر الاستباقي عقيدة. وفوق ذلك: إسقاط طاغية وإقامة ديمقراطية في قلب الشرق الأوسط سيشعل شرارة حرية للمنطقة كلها. هذه كانت الحجة — قوية، متماسكة، وصادقة عند كثير ممن آمنوا بها.
ثم جاءت الحقائق ودفنتها
لا أسلحة دمار شامل — صفر. فرق التفتيش بعد الغزو فتشت كل شبر: لا شيء. العلاقة المزعومة بين صدام والقاعدة: كذبة، والرجلان كانا عدوين أيديولوجيين. «الدومينو الديمقراطي» تحول إلى حرب أهلية طائفية، وتنظيم القاعدة في العراق، ثم داعش — الوحش الذي التهم الموصل والرقة وذبح المسلمين قبل غيرهم. التكلفة: أكثر من أربعة آلاف جندي أمريكي، ومئات آلاف العراقيين، وتريليونات الدولارات، وسمعة أمريكا الأخلاقية في الحضيض — بينما إيران هي من خرجت الرابح الأكبر من إسقاط عدوها صدام. مفارقة مدمرة.
ما يُحسب للغزو — بأمانة
إسقاط نظام المقابر الجماعية وحلبجة حقيقة لا تُنكر، وملايين العراقيين تنفسوا بعد عقود الرعب. من عاش تحت صدام يعرف أن زواله — بحد ذاته — كان عدلاً تأخر كثيراً.
وما يدينه — بالأرقام
عدلٌ بُني على كذبة ليس عدلاً بل مقامرة بدماء الناس. النتيجة الصافية: بلد مدمر، وإرهاب أشد، ونفوذ إيراني موسع، وأمريكا أضعف. من يسمي هذا نصراً لم يقرأ كشف الحساب.
رأيي الصريح — بلا مواربة
العراق كان حرب اختيار لا حرب ضرورة، والفرق بينهما هو الفرق بين الدفاع والعدوان. صدام كان مجرماً — والغزو كان كارثة. الجملتان صحيحتان معاً، ومن يظن أنهما متناقضتان لم يفهم شيئاً. وأقولها كعربي: من دفع الثمن الأكبر هم العراقيون أنفسهم، ودماؤهم أمانة في عنق من كذب ومن صدّق الكذب.
الأمن مقابل الحرية: هل خانت أمريكا قيمها لتنقذ نفسها؟
بعد أسابيع من الهجوم أُقر قانون الوطنية بأغلبية ساحقة، وتوسعت صلاحيات المراقبة والاعتقال، وفُتح معتقل غوانتانامو، وبدأ برنامج الاستجواب المشدد — التعذيب باسمه الصريح. السؤال الذي انقسمت عليه أمريكا نفسها: هل تُحمى الحرية بإلغائها؟
حجة الأمن: القنبلة الموقوتة حقيقية
يقول المدافعون: العدو لا يرتدي زياً ولا يحترم قانوناً، والاستخبارات أحبطت مخططات حقيقية كانت ستقتل الآلاف — والمراقبة ثمن معقول للأمان. الدول التي ترفض أدوات الحرب تخسر الحرب. والأمريكي العادي لم يشعر يوماً بهذه الصلاحيات لأنها وُجهت ضد الإرهابيين لا ضده.
حجة الحرية: من يضحّي بالاثنتين يخسرهما
ويرد المعارضون — ومنهم أبطال حرب ومحافظون دستوريون: التعذيب أنتج اعترافات كاذبة أكثر مما أنتج معلومات، وغوانتانامو بلا محاكمات صار وصمة أخلاقية تُستخدم في تجنيد الإرهابيين، والمراقبة الشاملة ابتلعت خصوصية الأبرياء. أمريكا التي تعذّب سراً تفقد حق إدانة من يعذّب علناً.
رأيي الصريح
الأمن ضرورة والحرية هوية — ومن يضحّي بالهوية من أجل الضرورة يبقى بلا الاثنتين. أؤيد ملاحقة الإرهابيين بكل صرامة قانونية، وأرفض التعذيب والاعتقال بلا محاكمة رفضاً مطلقاً: ليس رومانسية، بل حسابات باردة — هذه الأدوات صنعت أعداءً أكثر مما قتلت، ولوّثت سمعة البلد الذي أعيش فيه وأحترمه. القوة الحقيقية انضباط، والانضباط يعني الالتزام بالقواعد حتى حين يصعب ذلك — هذه فلسفتي في التدريب وفي السياسة معاً.
السؤال الصعب: الإسلام والعنف والإسلاموفوبيا — بلا هروب
هذا هو الفصل الذي يتهرب منه الجميع — كل فريق يختار نصف الحقيقة الذي يريحه. سأقول الحقيقة كاملة كما أراها، لأنني مسلم ولأنني أمريكي، والكذب على النفس رفاهية لا أملكها في الهويتين معاً.
أولاً: الظلم الذي وقع على الأبرياء حقيقي وموثق
بعد ١١ سبتمبر تعرض مسلمون أمريكيون عاديون — كثير منهم ولدوا هنا — للاعتداءات اللفظية والجسدية، وللتوقيف على الهوية، وللمراقبة في مساجدهم، وللتمييز في العمل والسفر. نساء محجبات بُصق عليهن في الشوارع. أطفال سُخروا من أسمائهم في المدارس. الحكم الجماعي على مليوني مسلم أمريكي بجريرة تسعة عشر مجرماً ظلم بيّن — ومن مارسه خان القيم الأمريكية التي يدّعي الدفاع عنها. هذه ليست «حساسية مفرطة»، بل وقائع موثقة بتقارير رسمية ومنظمات حقوقية.
ثانياً: مسلمو أمريكا كانوا جزءاً من الرد لا من المشكلة
وفي المقابل — وهذا ما يُنسى عمداً — كان المسلمون الأمريكيون بين الضحايا والمنقذين: مسعفون ورجال إطفاء مسلمون ماتوا في البرجين، وجنود مسلمون قاتلوا في أفغانستان والعراق تحت العلم الأمريكي، وأطباء ومهندسون ومعلمون يخدمون هذا البلد كل يوم. المسلم الأمريكي ليس ضيفاً يُتسامح معه بل شريك يبني — ومن يطالبه بإثبات ولائه كل صباح لا يفهم معنى المواطنة.
ثالثاً: وداخل البيت المسلم — سؤال لا مفر منه
والآن الجزء الذي يغضب بعض المسلمين مني — فليغضبوا، الحق أولى. نعم، هناك مشكلة تطرف حقيقية داخل العالم الإسلامي لا تُحل بالإنكار ولا بلوم أمريكا وحده. الفكر التكفيري قُتل باسمه مسلمون أكثر من غيرهم، والمناهج والمنابر التي تزرع الكراهية موجودة ومعروفة، والإصلاح الديني والفكري مهمة المسلمين أنفسهم قبل غيرهم — لا أحد سيصلح بيتك نيابة عنك. الفرق بيني وبين الإسلاموفوبي: هو يستخدم التطرف لإدانة الإسلام كله، وأنا أدين التطرف دفاعاً عن الإسلام نفسه. ديني يعلمني أن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعاً — وسأظل أقولها حتى يملّ السامعون.
رأيي الصريح
أرفض الحكم الجماعي على المسلمين رفضاً قاطعاً — وأرفض إنكار مشكلة التطرف رفضاً قاطعاً أيضاً. الموقفان معاً، لا أحدهما. المسلم الأمريكي لا يدين بالاعتذار عن جريمة لم يرتكبها، لكنه مدين بالمواجهة الصادقة مع أي فكر يسيء لدينه. هذه هي الرجولة الفكرية: تقف في وجه الظلم أياً كان مصدره — حتى حين يكون مصدره بيتك.
الإعلام: من الوحدة إلى تجارة الخوف
في الأيام الأولى، كان الإعلام الأمريكي بطولياً بكل معنى الكلمة: مراسلون يبثون من تحت الغبار، وقنوات ألغت الإعلانات والترفيه، وخطاب جامع يليق بالمصاب. ثم اكتشفت الشبكات معادلة الذهب: الخوف يرفع نسب المشاهدة. وبدأ الانحدار.
ما يُحسب للإعلام
التغطية المباشرة الشجاعة، وكشف الحقائق لاحقاً — من فضائح التعذيب إلى أكاذيب أسلحة العراق — قامت به صحافة حرة شجاعة. لولا صحفيون أحرار لما عرفنا نصف ما نعرف اليوم عن تلك السنوات.
ما يدينه
سنوات من ضيوف الاستوديو الذين يصرخون، وخبراء مزيفون، وربط كل مسلم بكل إرهابي في العناوين، ثم الانقسام الحزبي الذي حوّل حتى المأساة الوطنية إلى سلاح انتخابي. الإعلام الذي وحّد أمريكا في سبتمبر هو نفسه الذي مزّقها بعد ذلك — والجمهور الذي قبل ذلك قبل هذا.
رأيي الصريح
لا تصدق الشاشة — من أي جهة. اقرأ المصادر الأولى، واسمع الطرفين، واحكم بعقلك. الشعب الذي يفكر بعقل الشاشة يُحكم بسهولة — والشعب الذي يقرأ لا يُخدع مرتين بالطريقة نفسها.
شهادتي: من طفل في السابعة إلى رجل في تكساس
كان عمري سبع سنوات. أذكر الكبار متسمرين أمام التلفاز، وأذكر أنني لم أفهم — فقط عرفت من وجوههم أن شيئاً كبيراً ومخيفاً قد حدث. كبرت، وفهمت بالتدريج أن ذلك اليوم ألصق بي تهمة لم أرتكبها: صرت — في عيون كثيرين — مشتبهاً به بالولادة.
الوصول إلى تكساس: ٢٠١٢
وصلت إلى تكساس عام ٢٠١٢، شاب في الثامنة عشرة، بلكنة عربية واسم مسلم وحقيبة أحلام. تعلمت سريعاً قاعدة هذا البلد: لا أحد يسألك من أين أتيت إذا أثبت كل يوم من أنت. في العمل، في الجامعة، في صالة الحديد — الاحترام هنا يُكتسب بالتكرار لا بالكلام. نعم، رأيت نظرات الشك، وسمعت الأسئلة المحرجة عن ديني — ورددت عليها جميعاً بطريقة واحدة: بالأخلاق والعمل. جاري يعرفني بمساعدتي لا بخطبي، وزملائي يعرفونني بانضباطي لا بشعاراتي.
ماذا أقول اليوم — بلا تردد
أقول: ١١ سبتمبر جريمة إرهابية قذرة أدينها بكل جوارحي، وضحاياها في ذمتي بالدعاء والذكر. وأقول: الحكم الجماعي على المسلمين ظلم أرفضه وأواجهه. وأقول: حرب العراق كانت كارثة مختارة، والتعذيب عار، والتطرف داخل بيتي مسؤوليتي أن أواجهه. وأقول لأمريكا التي احتضنتني: بلدك عظيم حين يلتزم بقيمه، وصغير حين يخونها — وأنا هنا لأذكّره بعظمته كل يوم بعملي. وأقول للشباب المسلم: اعتزّ بدينك، وكن قدوة، ولا تعتذر عن جريمة لم ترتكبها — لكن لا تغض الطرف عن أي شر يتلبس بدينك.
رحم الله كل نفس بريئة ماتت ذلك اليوم وما بعده — في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، وفي بغداد وكابول وكل مكان دفع ثمن جنون الرجال. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
دعاء ختامي لكل روح بريئة
اللهم يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، يا عالم كل حزن خفي — نرفع إليك أكف الضراعة لكل نفس بريئة أخذتها الكراهية والحروب.
اللهم ارحم الموظفين ورجال الإطفاء، والركاب والجنود، وأمهات بغداد وأطفال كابول، وكل بريء في كل أرض لم يصل اسمه إلى نشرة أخبار. اللهم اغفر لهم ووسع مدخلهم ونوّر مراقدهم وأدخلهم في واسع رحمتك.
اللهم اجبر كل أم ثكلى وأب مكلوم، وكل أرملة وكل يتيم. واشف المحروقين والمكسورين، وجرحى الأجساد وجرحى الأرواح — والمحاربين القدامى الذين ما زالوا يخوضون حروبهم في الليل. اللهم أبدل فقدهم صبراً، وألمهم سكينة لا يملكها إلا أنت.
اللهم اهد ولاة الأمور إلى العدل بدل الانتقام، وإلى حفظ الأرواح بدل إنفاقها. وليّن القلوب التي قسّتها الكراهية، واحم شبابنا — كلهم — من مجندي الظلام أياً كانت رايتهم. وألّف بين قلوب الجيران من كل دين على الخير، واجعل هذا البلد وكل بلد ملاذاً للأبرياء لا مقبرة لهم.
اللهم لا تجعل الأرواح التي ذكرناها في هذه الصفحات قد ذهبت سدى: اجعل ذكراها تعلّم الأحياء الحكمة وضبط النفس والرحمة. آمين.